نقد

عفاف عبد المعطي تكتب”تاء..النسوية فى أبهى صورها”

تحتاج القصة القصيرة الى الكتابة بطريقة تسرد الفعل ورد الفعل فى آن ، ولم يعد مجديا بعد سنوات ممتدة من الكتابة عن القصة القصيرة ان نذكر صعوبة الكتابة القصصية ، خاصة وان مبدع القصة القصيرة عليه ان يصوغ عالما كاملا فى حفنة كلمات . وتلك صعوبة الكتابة القصصية . وذلك ما يجعل الانتاج القصصى ليس بقدر الروائى لان الفضاء الروائى يسمح للكاتب بمساحة كبيرة من الكتابة يسرد فيها عالماً ابداعيا برِحاً.

تاء واخواتها كناية عن الحرف المهيض (ت ) الذى يدل على الانثى وقد ارادت الكاتبة ريم ابو الفضل فى مجموعة ” تاء واخواتها ” ان تصور كيف تجعل طبيعة كتابة التاء واقعها مؤلما فالتصاق التاء بالحروف (كناية عن الذكور ) يجعل (واو الجماعة ) الدالة على الجماعة الاجتماعية تذكرها بكل سوء.

إنها فكرة فنتازية دعمتها طريقة الكتابة المتراتبة للقصة التى تجعل من تاء التانيث عُرضة لكل حرف نذل قد يلتصق بتلك التاء . ربما كانت تلك فكرة جديدة لكنها ليست عامة ولا يمكن تعميمها فليست كل تاء تانيث مُعرّضة للغواية وإذا أفلح الغاوى مع تاء فبالطبع لن يُفلح مع كل التاءات . أيضاً ليست كل تاء التأنيث مهيضات يمكن ان يخدعهن اى حرف نذل حتى لو استخدمت لغة القصة واكدت على إمكانية التصاق الحرف (الذكر ) بالـ (التاء ) الأنثى فإن مجازية القصة وفكرتها الجيدة لا تؤكد بالضرورة على استباحة تلك التاء.

كما تظهر تلك العقدة النسوية التى طبعها المجتمع والرجل على المرأة ، فتاء واخواتها ما هن الا مجموعة من التجارب الانثوية التى لا ينتجها سوى القهر الاجتماعى ( قهر الظروف المجتمعية وقهر الرجل فى الوقت نفسه ) وفى تصورى ان تلك العقدة النسوية لم ينتجها المجتمع والرجل بقدر ما رسختها المراة ذاتها بداخلها ، حيث تريد المرأة أن تكون دائما الضحية وسط ذئبين الذئب الاول عام وكبير وشامل متمثلا فى النظام الاجتماعى الذى تعيش فيه ، والذئب الثانى هو الرجل ذلك السلطة الكبرى الذى لا تنبت المراة بشفة امامه فما هى الا تابع صامت له ، آداة يحركها كيفما يشاء . وتلك فكرة تقليدية ترسخت داخل العقل الانثوى منذ ازمان . وإن كانت هناك طفرة من النهضة النسوية طالبت بالمساواة إلا أن المراة لم تشعر معها او بعدها بأية مساواة .

فالغالب عليها هو الاحساس بالقهر . وما يدعم تلك الفكرة صورة السيدة “نبيلة ” فى قصة تحت الصفر . نبيلة هى الواقعة تحت الصفر وفوقها معاناتها من زوجها “شهريار ” الذى قصد الراوى الا يذكر له اسما ترسيخا لفكرة التعميم تأكيدا على ان المعظم من الجنس الذكورى مثله . شهريار الذى تجلب له نبيلة السجائر والتسالى وتطبخ المحشى الذى يعترض دائما عليه ومن ثم يقدم صورة سلبية وسيئة للأم أمام ابنيها اللذين بالطبع يقلدا اباهما . فكرة تقليدية قُتلت كِتابة منذ كتابات (امينة السعيد / سعاد زهيرى / اليفة رفعت ) ولم تزد ريم ابو الفضل عليهن اى شئ حتى خيانة الزوج لزوجته نبيلة مع صديقتها نورا ثم الزواج من نورا الشخصية النقيض لنبيلة هى الاخرى فكرة متأصلة . ومن ثم أيضا يظهر أفق توقع نبيلة لسير العلاقة القائمة على القهر الذى مارسه عليها شهريار ، فتنتهى القصة بتساؤل من نبيلة عن من سيقهر الآخر بعد الزواج صديقتها نورا أم زوجها السابق شهريار ؟.

ومثل نتوء أو طائر خارج السرب؛ تظهر قصة ” كرسي هزاز ” عن الزوجة الامريكية التى ذهب زوجها للحرب فى فيتنام . وبالطبع عندما كتب بيتر بروك مسرحيته الاشهر حرب الشعب فى فيتنام ظهرت فى زمنها منتقدة قرار ذهاب الجيش الامريكيى للاعتداء بالحرب على البلد الصغير فيتنام بقصد احتلالها .

ظهور مسرحية بروك ملائما لحدث الستينيات وكانت تلك المسرحية من اوائل النصوص التى اعتمدتها الكثير من الدراسات المنتقدة للمجتمع الامريكى ، لكن ظهور قصة قصيرة مفادها معاناة المراة التى اعتادت ان يُجلسها زوجها على فخذيه وهو جالس على الكرسى الهزاز وذلك الطقس العائلى الذى اعتادت الزوجة عليه بينما فارقها زوجها للمشاركة فى الحرب وتركها اسيرة لمراقبة جيرانها العرب التى طرحت صورتهم القصة فى نوع من المقارنة بين الشرق والغرب؛ الشرق الذى يفرح بالزغاريد ويلتقى ويتجمع بينما الغرب يجنح الى الوحدة . ثم المرأة التى لا تحتمل فراشها باردا دون رجل.

القصة مكتوبة بشكل شائق لكن وجود حدثها المتمثل فى حرب فيتنام غير متلائم مع صدور المجموعة فى بدايات الالفية الثالثة . كما وان الصراع بين الشرق والغرب والفروق النوعية بينهما لا تجسدها الطقوس فحسب ، بل فى الالفية الثالثة يجسدها التقدم الغربى المذهل مقابل التخلف الشرقى المدقع وهو ما يفوق رؤية قصة “كرسى هزاز “.

فحرب الشعب فى فيتنام كانت فى الستينيات بينما الحرب الحقيقية التى اكتسح بها الغرب الشرق هى حرب العصر الحديث حرب المعلومات والتقدم التكنولوجى الذى يجعل الشرق يلهث وراء تقدم الغرب ولا يجعل الغرب متمثلا فى المرأة الامريكية التى تراقب جارتها العربية وتنتقد تحملها لفراشها دون رجل واتهامها لها بالسحاقية فحسب . كل تلك الرؤى باتت غير مقبولة ومن الصعب تحمل وجودها فى قصة تصدر فى اول الالفية الثالثة لتنتهى القصة بعودة ديفيد كسيرا إثر مشاركته فى حرب فيتنام .

حالات إنسانية متباينة قدمتها الكاتبة ريم ابو الفضل فى مجموعتها ” تاء واخواتها ” كامل الاوصاف الرجل الذى يتوارى خلف افعاله الشاذة مع الاولاد يمجاملة اهل الحى الذين يصدقونه ومن ثم يقيمون له ضريحا بعد رحيله ، ثم يرحل ابناء الحى خزيا مما جرى لهم على ايدي الرجل ، فتزداد العنوسة فى الحى كلما ازداد رحيل الشباب . وقد احسنت لغة التورية فى القصة فى طرح الازمة التى تسبب فيها “عم كامل ” الرجل الورع امام اهل الحى / الشاذ فى الآن نفسه مع ابناءه الذين يرشيهم بالحلوى كى لا يفضحون أمره.

بقلم متدرب على الكتابة اتسمت مجموعة ” تاء واخواتها ” للكاتبة ريم ابو الفضل بالتنوع والعزف على وتر اللآلام الاجتماعية التى تعانيها المرأة سواء كانت بشكل مباشر عبر القهر الذكورى أو بشكل طبقى من خلال ازمة الفقر المدقع أمام الثراء الفاحش ، او المراة العانس نتيجة للظروف الاجتماعية التى تؤول بها الى تلك الحالة المريرة . كل تلك الحالات المتباينة هى التى اسبغت النصوص بقدر كبير من شغف القراءة.

و لئن كانت قصص المجموعة بشموليتها تقدم صورا متباينة من الغبن الاجتماعى للمراة ، فإن القضية الاساسية فى المجتمع المصرى هى قضية مجتمع يفرض شكلا ما من الحياة على كل من الرجل والمراة وهذا الشكل هو ما يؤكد على كل منهما (ذكر كان أم انثى ) الطريقة التى يتعامل بها مع الآخر سماحة كانت أم قهراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق