حكاوي

اتوبيس 12

بقلم / د سامية حبيب

أعرف تماما لماذا تذكرت اتوبيس رقم (12) الذي يعرفه مثلي كل طلاب جامعة القاهرة منذ السبعينات وإلى اليوم ، إنه الاتوبيس الذي يتحرك من ميدان السيدة زينب رضى الله عنها إلى ميدان جامعة القاهرة حيث كان يلف ويعود لكنه الاّن وربما منذ سنوات سابقة ينهي مساره في ميدان الجيزة . كان “خط 12″ كما كنا نطلق عليه ، يمر بمنطقة المنيرة وشارع القصر العيني ويقف في محطة أمام مستشفى قصر العيني لينزل زملاؤنا طلاب كليات الطب والصيدلة والأسنان والعلاج الطبيعي وكنا نعرفهم من البالطو الأبيض الذي يحملونه بحرص. ثم يواصل اتوبيس 12 مسيره لكوبري الجامعة ليقف أمام باب الجامعة وننزل منه حشود ضخمة ننطلق صوب باب الجامعة حيث كليات الاّداب والحقوق والتجارة والاّثار والإعلام بينما زملاؤنا طلاب كلية الهندسة ينتظرون ان يلف للاتجاه الاّخر لينزلون أقرب لباب كليتهم .

في طريق عودته يمر بشارع المنيل ثم يكمل نفس مسار الذهاب ليستقر بنا في مساء نفس اليوم من حيث بدأ . وبعد أيام من بدء العام الدراسي كنا نعرف بعضنا بعضا من تكرارالوجوه ومن كانوا أبناء حي أو شارع واحد يتبادلون التحية وبعض الكلمات في حياء . وكان ثمة فعل لا تنساه فتيات الجامعة منا وهو إقدام زملاؤنا الطلاب على خوض ازدحام الصعود للاتوبيس صباحا او مساء ليجلسوا في المقاعد الخالية ثم يتركونها لنا لنجلس حين نصعد بعد انتهاء موجة الصعود العاصفة بينما هم يحيطون بنا لحمايتنا من فعل غير لائق قد يصدر من راكب لأي فتاة منا ، كنا نشعر بأخوة غير معلنه بيننا ، و في رد فعل لائق من الفتيات كن نجلس ونحمل عنهم الكتب أو الأدوات الهندسية أو قطع العظام وأدوات التشريح بكل الحرص والحب .

مرت بذكرتي تلك الصور وأنا أخاطب طالبة أمامي في أحد مدرجات الجامعة حين طلبت منها أن تفسح مكانا بجوارها لزميل لها ليشاركها القراءة من كتاب نناقشه ولم يكن قد حصل عليه بعد ، فرفضت بقوة ، سألتها لماذا انه أخيك ويجب أن تتعاونوا معا في الدراسة ؟ رفضت وقالت : إنه ليس أخي ولايمكن أن أعتبره كذلك انه رجل غريب لمعرفتي المسبقة بمثل تلك الطالبة التى تعامل زملائها بجفاء لأسباب كثيرة منها الحياء وهذا مفهوم ولكن أن تنقلب نظرة الزمالة في هذا السن الغض إلي رجل وامرأة فذلك أمر يستحق وقفة منا جميعا كمربين ومعلمين . فوجدتني أوقف المحاضرة واحدثهم عن اتوبيس ” 12 ” ثم سألتهم من يوافق على كلام زميلتكم ؟ والحمد لله رفع حوالى خمس طالبات أيديهن من بين أكثر من خمسين طالبة وطالب .

و وجدتنى احدثهم عن الجامعة كمكان للدرس وتحصيل العلم ، ينبغي أن يسوده التعاون والتحاور حول علومهم والتواصل معا بالكتب والمراجع ومواقع الانترنيت كما علمنا أحد أساتذتنا ” إخفاء المرجع عن زميلك فعل ساذج لأن المنافسة يجب ألا تعلمكم الأنانية بل التنافس الشريف ” . ثم حدثتهم عن ضرورة ممارسة كل الأنشطة المتاحة بالجامعة رياضة ثقافة مسرح رحلات وتذكرت في هذا رحلاتنا أيام الجامعة حيث المرح والانفتاح على مدن جميلة في مصر لم نزورها مع أسرنا مثل رحلات الجامعة للفيوم ورأس سدر والأقصر وأسوان وحكيت لهم كيف كان زملاؤنا يسهرون لرعايتنا بينما ننام نحن فوق مقاعدنا في القطار الليلي إلى ان يوقظونا حين نصل محطة الأقصر.

ولي زميل عزيز من تلك الأيام الجميلة كلما لقيني يرسل لوالدي التحية ويذكرني كيف عامله كاإبن له حين كان أبي يوصلني لمحطة مصر لأسافر في رحلة الأقصر وأسوان ، وكان زميلي من اتحاد الطلاب المسئولين عن الرحلة ، فأوصاه أبي بي لأني أخته بل واعطاه مصروفي الخاص بالرحلة حتى لاأضيعه وانا في السابعة عشر من عمري والجميل أنني لم أرفض هذا بحجة ان زميلي هذا ليس أخي ، بل ظللنا أنا وهو كلما التقينا رغم بعد السنين نتذكر تلك الأحداث ونعتز بها ، أعرف أن مثلنا كثر من الطلاب الاّن من يفعلون مثلنا زمان، لكن هناك كثر أيضا من طالبتي الحادة . السؤال الاّن ما الفارق بيني وبين تلميذتي ؟ ماذا حدث في الثلاثين عاما التي مرت بين زمنا كنت فيه طالبة والاّن ؟

وهناك أسئلة كثيرة في هذا السياق لابد ان نضعها موضع البحث إن كنا نهتم بالتعليم الجامعي ومشكلاته ، إن كنا نهتم بالسلام المجتمعي ، إن كنا نود مشاهدة أطياف المجتمع المصري في حفلات السيدة أم كلثوم بيننا اليوم ، لأن اتوبيس 12 مازال فعلا يحمل الطلاب إلى الجامعة يوميا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق